ابن ميثم البحراني
15
شرح نهج البلاغة
يعرفهم ربّهم بطاعتهم وتعرفهم ملائكته بعبادة ربّهم ثمّ أردف ذلك بأخبار البصرة مخاطبا لها والخطاب لأهلها بما سيقع بها من فتنة الزنج ، وظاهر أنّه لم يكن لهم غبار ولا أصوات . إذ لم يكونوا أهل خيل ولا قعقعة لجم فإذن لا رهج لهم ولا حسّ ، وظاهر كونهم من نقم اللَّه للعصاة وإن عمّت الفتنة . إذ قلَّما تخصّ العقوبة النازلة بقوم بعضهم كما قال تعالى « واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً » ( 1 ) وقوله : وسيبتلى أهلك بالموت الأحمر والجوع الأغبر . قيل : فالموت الأحمر إشارة إلى قتلهم بالسيف من قبل الزنج أو من قبل غيرهم ، ووصفه بالحمرة كناية عن شدّته وذلك لأنّ أشدّ الموت ما كان بسفك الدم . وأقول : قد فسّره عليه السّلام بهلاكهم من قبل الغرق كما نحكيه عنه وهو أيضا في غاية الشدّة لاستلزامه زهوق الروح ، وكذلك وصف الأغبر لأنّ أشدّ الجوع ما أغبرّ معه الوجه وغبر السحنة الصافية لقلَّة مادّة الغذاء أو ردائه فذلك سمّى أغبر ، وقيل : لأنّه يلصق بالغبراء وهى الأرض ، وقد أشار إلى هذه الفتنة في فصل من خطبته خطب بها عند فراغه من حرب البصرة وفتحها وهى خطبة طويلة حكينا منها فصولا تتعلَّق بالملاحم . من ذلك فصل يتضمن حال غرق البصرة . فعند فراغه عليه السّلام من ذلك الفصل قام إليه الأحنف بن قيس فقال له : يا أمير المؤمنين ومتى يكون ذلك . قال : يا أبا بحر إنّك لن تدرك ذلك الزمان وإنّ بينك وبينه لقرونا ولكن ليبلغ الشاهد منكم الغائب عنكم لكي يبلغوا إخوانهم إذا هم رأوا البصرة قد تحوّلت أخصاصها دورا وآجامها قصورا فالهرب الهرب فإنّه لا بصيرة لكم يومئذ ثمّ التفت عن يمينه فقال : كم بينكم وبين الإبلَّة . فقال له المنذر بن الجارود : فداك أبي وأمّي أربعة فراسخ . قال له صدّقت فوالَّذي بعث محمّدا وأكرمه بالنبوّة وخصّه بالرسالة وعجّل بروحه إلى الجنّة لقد سمعت منه كما تسمعون منّى أن قال : يا علىّ هل علمت أن بين الَّتي تسمّى البصرة والَّتي تسمّى الإبلَّة أربعة فراسخ وقد يكون في الَّتي تسمّى الإبلَّة موضع أصحاب القشور يقتل في ذلك الموضع من أُمّتي سبعون ألفا شهيدهم يومئذ بمنزلة شهداء بدر فقال
--> ( 1 ) 8 - 35 .